النووي
50
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَسَيَأْتِي خِلَافٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ لَفْظِ الْعِبَادَاتِ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ؟ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُجَّ ، يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ ، لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ كَالصَّحِيحِ . وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ . وَقَالَ الْإِمَامُ : الْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ . الرَّابِعَةُ : إِذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ ، حَنِثَ بِكُلِّ تَمْلِيكٍ فِي الْحَيَاةِ خَالٍ عَنِ الْعِوَضِ ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى ، لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ خَاصَّةٌ مِنَ الْهِبَةِ ، وَقِيلَ : لَا يَحْنَثُ بِمَا سِوَى الْهِبَةِ . وَقِيلَ : يَحْنَثُ بِالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى دُونَ الصَّدَقَةِ ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ تَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَمَقْصُودًا وَحُكْمًا . أَمَّا الِاسْمُ ، فَلِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ لَا يُقَالُ : وَهَبَ لَهُ ، وَأَمَّا الْمَقْصُودُ ، فَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْهِبَةُ لِاكْتِسَابِ الْمَوَدَّةِ . وَأَمَّا الْحُكْمُ ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، وَيَأْكُلُ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ . هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، أَمَّا إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ ، أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ، فَلَا يَحْنَثُ ، كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنًا . وَعَنِ الْقَفَّالِ تَرْدِيدُ جَوَابٍ فِيهِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . وَلَا يَحْنَثُ بِالْإِعَارَةِ ، إِذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا ، وَلَا بِالْوَصِيَّةِ ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْمَيِّتُ لَا يَحْنَثُ وَلَا بِالضِّيَافَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : يَحْنَثُ بِالْوَصِيَّةِ . وَفِي الضِّيَافَةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّيْفَ يَمْلِكُ مَا يَأْكُلُهُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ . وَلَا يَحْنَثُ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا : الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَاقِفِ ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، وَإِنْ قُلْنَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، حَنِثَ . وَقِيلَ : فِيهِ خِلَافٌ . وَلَوْ قَالَ الْحَالِفُ لِرَجُلٍ : وَهَبْتُكَ كَذَا فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَحْنَثُ ، لِأَنَّهُ